|
الدعاء في اللغة : الدعاء: هو أن تميل الشيء إليك بصوتٍ وكلامٍ يكون منك .
تقول : دعوت فلاناً أدعوه دعاءً ، أي ناديته وطلبت إقباله ، وأصله دُعاوٌ ، إلاّ أنّ الواو لمّا جاءت بعد الاَلف هُمزت . وللدعاء في الكتاب الكريم وجوه عدّة ، كلّها تدور حول المعنى اللغوي المتقدم ، نذكر منها : 1 ـ النداء ، يقال : دعوت فلاناً ، أي ناديته وصحت به ، قال تعالى :
(فَقُل تعالوا ندعُ أبنَاءَنا وأبنَاءَكُم ونِساءَنا ونِساءَكُم وأنفُسنَا وأنفُسَكُم ) (1) أي ، ننادي... وقد يستعمل كل واحد من النداء والدعاء موضع الآخر ، قال تعالى : (كمَثلِ الذي يَنعقُ بما لا يَسمَعُ إلاّ دُعاءً ونِداءً ) (2). 2 ـ الطلب ، يقال : دعاه ، أي طلبه ، قال تعالى : ( وإن تدعُ مُثقلةٌ إلى حَملِها ) (4 ) ، أي تطلب أن يحمل عنها . 3 ـ القول ، قال تعالى : ( فما كان دعواهُم إذ جاءهم بأسُنَا... ) ( 5 )، أي قولهم إذ جاءهم العذاب . 4 ـ العبادة ، قال تعالى : ( لن ندعُو مِن دُونه إلهاً ) ( 6 )، أي نعبد . 5 ـ الاستعانة ، قال تعالى : ( وادعوا شُهداءَكُم من دونِ اللهِ ) (7 )، أي استعينوا واستغيثوا بهم . 6 ـ الحثّ على الشيء ، قال تعالى : ( قال ربِّ إنِّي دعوتُ قومي ليلاً ونهاراً ) (8 ) ، أي حثثتهم على عبادة الله سبحانه . 7 ـ النسبة ، قال تعالى : ( ادعُوهُم لآبائهم هو أقسطُ ) (9 )، أي انسبوهم واعزوهم . 8 ـ السؤال ، قال تعالى : ( قال ادعُ لنا ربَكَ ) (10 )أي سله (8). ( 11 ) الدعاء في الاصطلاح طلب الاَدنى للفعل من الاَعلى : على جهة الخضوع والاستكانة (11 ). ودعاء العبد ربه جلَّ جلاله : طلب العناية منه ، واستمداده إياه المعونة( 12) . ويقال : دعوتُ الله أدعوهُ دعاءً : ابتهلتُ إليه بالسؤال ، ورغبتُ فيما عنده من الخير ( 13). قال تعالى : ( وقالَ ربُكُم ادعُوني أستجب لكم إنّ الذين يستكبرُون عن عبادتي سيدخُلُون جهنَّم داخرين ) ( 14). ويقول العلاّمة المجلسي : الاَدعية المأثورة على نوعين : 1 ـ الاَوراد والاَذكار الموظفة المقررة في كلِّ يوم وليلة المشتملة على تجديد العقائد وطلب المقاصد والاَرزاق ودفع كيد الاَعداء ونحو ذلك ، وينبغي للمرء أن يجتهد في حضور القلب والتوجه والتضرع عند قرائتها ، لكن يلزم أن لا يتركها إن لم يتيسر ذلك . 2 ـ المناجاة ، وهي الاَدعية المشتملة على صنوف الكلام في التوبة والاستغاثة والاعتذار وإظهار الحب والتذلل والانكسار ، وظني أنه لا ينبغي أن تقرأ إلاّ مع البكاء والتضرع والخشوع التام ، وينبغي أن تترصد الاَوقات لها .
( 12 ) وهذان القسمان من الدعاء ببركة أهل البيت عليهم السلام عندنا كثير . فأما القسم الاَول فأكثرها مذكورة في مصباحي الشيخ الطوسي والكفعمي ، وكتابي التتمات والاقبال لابن طاووس في ضمن التعقيبات وأدعية الاُسبوع وأعمال السنة وغيرها . والقسم الثاني أيضاً منشورة في عرض تلك الكتب وغيرها ، كالاَدعية الخمس عشرة ، والمناجاة المعروفة بالانجيلية ، ودعاء كميل النخعي وغيرها ، والصحيفة الكاملة جلّها بل كلّها في المقام الثاني (5 1).
علاقة الدعاء بالعبادة. تقدم أن عبادة هي أحد الاُمور التي يصدق عليها مفهوم الدعاء اللغوي الواسع ، ويدل على ذلك آيات قرآنية كثيرة وردت في هذا السياق، منها قوله تعالى : ( لن ندعُو مِن دُونِه إلهاً ) أي لن نعبد إلهاً دونه، فهذه الآية وغيرها تترجم الصلة اللغوية الدائمة القائمة بين العبادة والدعاء . أما الصلة الاصطلاحية بين العبادة والدعاء ، فإنّ الدعاء في نفسه عبادة؛ لاَنّهما يشتركان في حقيقة واحدة ، هي إظهار الخشوع والافتقار إلى الله تعالى ، وهو غاية الخلق وعلّته ، قال تعالى : ( وما خلقتُ الجن والانسَ إلاّ لِيعبُدُونِ ) (1)، وقال تعالى : ( قُلْ ما يَعبأُ بِكُم ربي لولا دُعاؤكُم) ( 16 ) ( 13 ) . فالدعاء والعبادة يعكسان الفقر المتأصل في كيان الاِنسان إلى خالقه تعالى مع إحساسه العميق بالحاجة إليه والرغبة فيما عنده . قال الاِمام الصادق عليه السلام : « الدعاء هو العبادة التي قال الله : ( إنّ الذينَ يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنَّم داخرين ) » (17 )يعني أنّ الدعاء هو معظم العبادة وأفضلها ، وذلك كقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « الحج عرفة » أي الوقوف بعرفة هو الركن الاَعظم (4). ويؤيد ذلك حديث الاِمام الباقر عليه السلام : « أفضل العبادة الدعاء » (19 ). وما رواه سدير عنه عليه السلام ، قال : قلت لاَبي جعفر الباقر عليه السلام : أي العبادة أفضل ؟ فقال عليه السلام : « ما من شيء أفضل عند الله عزَّ وجلَّ من أن يسأل ويطلب ممّا عنده » (20 ) . وإذا قيل : إنّ الدعاء لا يصحّ إطلاقه على العبادة الشرعية التكليفية ، فإنّ الصيام مثلاً لا يسمى دعاءً لغةً ولا شرعاً ، وعليه فليس كلّعبادة شرعية دعاءً . نقول : (الدعاء من العبد لربه : هو عطف رحمته وعنايته إلى نفسه بنصب نفسه في مقام العبودية والمملوكية ، ولذا كانت العبادة في الحقيقة دعاءً ، لاَنّ العبد ينصب فيها نفسه في مقام المملوكية والاتصال بمولاه بالتبعية والذلّة ليعطفه بمولويته وربوبيته إلى نفسه ، وهو الدعاء) (21 ). وإلى ذلك يشير قوله تعالى : ( وقالَ ربُكُم ادعُوني استجب لكم إنّ الذينَ يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنَّم داخرين ) (22 )، فالآية تدعو إلى الدعاء وتحثّ عليه وتعد بالاجابة ، وتزيد على ذلك حيث تسمي الدعاء عبادة ، فقد عبّرت أولاً بالدعاء (ادعوني) ثمّ عبرت عن الدعاء بالعبادة (عن عبادتي) أي عن دعائي ، بل (إنّ الآية تجعل مطلق العبادة دعاءً ، حيث إنها تشتمل على الوعيد لترك الدعاء بالنار ، والوعيد بالنار إنّما هو على ترك العبادة رأساً ، لا على ترك بعض أقسامها دون بعض ، فأصل العبادة إذن دعاء) (23 ). وإذا تأملنا في قوله تعالى : ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريبٌ أُجيبُ دعوة الداع إذا دعانِ فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ) (24 ). نلاحظ أنه (كما يشتمل على الحكم وهو إجابة الدعاء ، كذلك يشتمل على علله ، فكون الداعين عباداً لله تعالى هو الموجب لقربه منهم ، وقربه منهم هو الموجب لاجابته المطلقة لدعائهم) (25 ). ( 15 ) فاخلاص العبودية لله تعالى هو علّة القرب منه تعالى والارتباط به ، والقرب منه هو مظنّة الاِجابة ، وهو يكشف عن الصلة الموضوعية بين حقيقة الدعاء وحقيقة العبادة ، قال الاِمام الصادق عليه السلام : « عليكم بالدعاء ، فانكم لا تُقرّبون بمثله » (26 ). الدعاء مخُّ العبادة : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « الدعاء مخُّ العبادة ، ولا يهلك مع الدعاء أحد» (27 ) هذا الحديث المبارك يكشف لنا عن جوهر العبادة وحقيقتها التي تتجلّى في إقبال العبد المحتاج على المعبود الغني ( يا أيُّها النَّاسُ أنتم الفقراءُ إلى اللهِ واللهُ هو الغنيُ الحميدُ ) (28 ). وهذا الاقبال هو التعبير الحي عن الصلة الموضوعية بين الخالق والمخلوق ، وعن شعور الاِنسان بحاجته الدائمة إلى ربّه تعالى في جميع أموره واعترافه الخاضع بالعبودية له تعالى ، والتي تتجسد في الشعور بالارتباط العميق بالله سبحانه ، فجوهر العبادة إذن هو تحقيق الارتباط والعلاقة بين الخالق والمخلوق ، والدعاء هو أوسع أبواب ذلك الارتباط وتلك العلاقة ، فهو إذن مخ العبادة وحقيقتها وأجلى صورها ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « أفضل العبادة الدعاء ، وإذا أذن الله لعبد في الدعاء فتح له أبواب الرحمة ، إنّه لن يهلك مع الدعاء أحد » (29 ____________ (1) سورة آل عمران : 3 | 61 . (2) سورة البقرة : 2 | 171 . (3) سورة فاطر : 35 | 18 . (4) سورة الاعراف : 7 | 5 . (5) سورة الكهف : 18 | 14 . (6) سورة البقرة : 2 | 23 . (7) سورة نوح : 71 | 5 . (8) سورة الاحزاب : 33 | 5 . (9) سورة البقرة : 2 | 69 . ( 10) يراجع في معنى الدعاء ، صحاح الجوهري ـ دعا ـ 6 : 2337 ، ومعجم مقاييس اللغة ـ دعو ـ 2 : 279 ، وأساس البلاغة ـ دعو ـ 131 ، والقاموس المحيط ـ دعا ـ 4 : 329 ، ولسان العرب = ـ دعا ـ 14 : 257 . ومفردات الراغب : 170 . والاَنباء بما في كلمات القرآن من أضواء 2 : 270 . (11 ) عدة الداعي : 12 . (12 ) تفسير الرازي 5 : 97 . ( 13) المصباح المنير 1 : 194 . (14 ) سورة غافر : 40 | 60 . (15 ) سورة الذاريات : 51 | 56 . (16 ) سورة الفرقان : 25 | 77 . (17 ) الكافي 2 : 339 | 7 ، والآية من سورة غافر : 40 | 60 . (18 ) تفسير الرازي 5 : 99 . (19 ) الكافي 2 : 338 | 1 . (20 ) الكافي 2 : 338 | 2 . ( 21) تفسير الميزان 10 : 38 . (22 ) سورة غافر 40 | 60 . (23 ) تفسير الميزان 2 : 33 . (24 ) سورة البقرة : 2 | 186 . (25 ) تفسير الميزان 2 : 32 . (26 ) الكافي 2 : 339 | 6 . (27 ) بحار الاَنوار 93 : 300 . (28 ) سورة فاطر : 35 | 15 . (29 ) عدة الداعي : 35 . . المصدر الدعاء حقيقته -آدابه - آثاره (مركز الرسالة)
|